أحمد مصطفى المراغي

13

تفسير المراغي

- أعقب هذا ببيان أنهم قد كانوا في غنى عن كل هذا ، فإن في السماء وبروجها العالية ، وشموسها الساطعة ، وأقمارها النيّرة ، وسياراتها الدائرة ، وثوابتها الباسقة عبرة لمن اعتبر ، وحجة لمن ادّكر ، فهلّا نظروا إلى الكواكب وحسابها ، ونظامها ومداراتها ، وكيف حدثت بها الفصول والسنون ، وكيف كان ذلك بمقادير محدودة وأوقات معلومة ؟ لا تغيير فيها ولا تبديل ، فبأمثال هذا يكون اليقين ، وبالتدبر فيه تقوى دعائم الدين ، ويشتد أزر سيد المرسلين . وهلّا رأوا الأرض كيف مدّت ، وثبتت جبالها ، وأنبتت نباتها ، بمقادير معلومة موزونة في عناصرها وأوراقها ، وأزهارها وثمارها ، وجعل فيها معايش للإنسان والحيوان . أفلا يعتبرون بكل هذا ؟ « وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ؟ » . الإيضاح ( وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ ) أي ولقد خلقنا في السماء نجوما كبارا ثوابت وسيارات ، وجعلناها وكواكبها بهجة لمن تأمل وكرر النظر فيما يرى من عجائبها الظاهرة ، وآياتها الباهرة ، التي يحار الفكر في دقائق صنعتها ، وقدرة مبدعها . ونحو الآية قوله تعالى : « إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ » ( وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ) أي ومنعنا كل شيطان رجيم من القرب منها كما قال في آية أخري . « وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ » أي وحفظناها من كل شيطان خارج من الطاعة برميه بالشهب ، كما تحفظ المنازل من متجسس يخشى منه الفساد . ( إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ ) أي لكن من أراد اختطاف شئ من عالم الغيب مما يتحدث به الملائكة في الملأ الأعلى - تبعه كوكب مشتعل